منتدى الزنتان

الأحاديث النبويه وأسباب نزلها

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الأحاديث النبويه وأسباب نزلها

مُساهمة من طرف القناص2011 في الأربعاء مارس 02, 2011 12:36 pm

[/url
لو تركها لدارت إلى يوم القيامة
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي – صلى الله عليه وسلم قال : ( أصاب رجلاً حاجة ، فخرج إلى البرّية ، فقالت امرأته : اللهم ارزقنا ما نعتجن وما نختبز ، فجاء الرجل والجفنة ملأى عجيناً ، وفي التنور الشواء ، والرحا تطحن ، فقال : من أين هذا ؟ ، قالت : من رزق الله ، فكنس ما حول الرحا ) ، وقال عليه الصلاة والسلام : ( لو تركها لدارت أو طحنت إلى يوم القيامة ) رواه الطبراني في الأوسط .

معاني المفردات:

أصاب رجلا حاجة : أي الفاقة والجوع.


الجفنة : الوعاء الكبير الذي يُقدّم به الطعام.

الرحا : الحجر الكبير الذي يُستخدم في طحن الحبوب.

التنور : الموقد.

تفاصيل القصّة:

جعل الله هذه الحياة الدنيا مليئةً بألوان المحن والبلايا ، والشدائد والرزايا ، والتي يجريها سبحانه وتعالى على عباده امتحاناً واختباراً ، ولابدّ من هذا البلاء للكشف عن معادن الناس ، فيتميّز الصادق من الكاذب ، والمخلص من المدّعي ، والمؤمن من المنافق.

ثم أن سنة البلاء التي أقام الله عليها هذه الحياة فرصةٌ مهمّة لتربية المؤمنين على مواجهة المصاعب والمتاعب ، والإعداد لتحمّل الآلام والشدائد ، مهما كان نوعها أو بلغت شدّتها ، فلا تذهب نفوسهم حسراتٍ مع كلّ فاجعة تصيبهم ، أو تجزع قلوبهم أمام كلّ محنة تحلّ بديارهم ، ولكن يواجهونها برباطة جأشٍ وثبات جنان.

ومن شيم المؤمنين وأخلاقهم إذا نزل بهم قضاء الله وقدره ، أن يلجؤوا إلى الركن الركين ، والحصن الحصين ، ويرفعوا أكفّ الضراعة إلى خالقهم ، موقنين أن طول البلاء مؤذن بقرب الفرج ، وأن وراء كل محنة منحة ، ووراء كل مصيبة حكمة.

ولعل القصّة التي حكاها النبي – صلى الله عليه وسلم - مثالٌ حيّ على النفوس المؤمنة الصابرة ، الراضية الشاكرة ، المربوطة بالله سبحانه وتعالى في أحوال الدنيا وتقلّباتها ، فاستحقّت بذلك حصول الفَرَج ، واستيفاء الأجر ، على نحوٍ تظهر فيه عظمة الله وقدرته ، وحكمته وتدبيره.

فنحن أمام قصّة رجل مع زوجته ، عضّهما الفقر بنابه ، ونفد كل ما لديهما من زاد وطعام ، فلم يجدا بُدّاً من الخروج إلى البرّية ؛ علّهما أن يظفرا بشيء يصلح طعاماً لهما ، ويخفّف من جوعهما.

وطال البحث ، لكن من غير طائل ، إذلم يجدا شيئاً ، فقامت المرأة تناجي ربّها داعيةً أن يرزقهما شيئاً من الطحين يصنعون به خبزاً يأكلانه ، أو يمنّ عليهم بلحمٍ يطبخانه ، ولعلّه لم يدر في خاطرها أن يكون الفرج الإلهيّ لهما آية عظيمة يتحدّث بها التاريخ ، ويتناقلها الناس إلى قيام الساعة.

عاد الزوجان إلى البيت ، فإذا بهما يريان عجباً : وعاء مُلئ عجيناً ، ورحىً تطحن الحبّ من غير أن يحرّكها أحد ، وفرن يفوح برائحة الشواء ، فانقشعت عنهم الغمّة ، وظهر على محيّاهما البِشر.

وقام الرجل الصالح فكنس ما حول الرّحا من الطحين ، ولو ترك الأمر على حاله ، لاستمرّ الحجر في الدوران إلى يوم القيامة ، كما أخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – في خاتمة القصّة.

وقفات مع القصّة:

عالجت القصّة بسياقها وأحداثها عدداً من القضايا ، فقرّرت حقائق مهمّة ، وأرست مباديء قيّمة ، كي يتربّى المسلم عليها ويعمل بمقتضاها.

حيث تظهر القصّة في المقام الأوّل قدرة الله تعالى ليزداد المؤمنون إيماناً ، وليعلموا أن شواهد القدرة الإلهيّة لا تنقطع عنهم آناء الليل وأطراف النهار ، يرونها بجلاء في كلّ ذرّة من ذرّات هذا الكون الفسيح ، لا يملك أحدٌ إنكارها ، وقد تناولت نصوص قرآنيّة عديدة هذا الجانب من صفات الكمال الإلهيّ ، وإن مظاهر القدرة الإلهيّة في هذا الحديث بيّنة في تهيئة الطعام والشراب للزوجين الصالحين من غير سببٍ ظاهر ، ومن خلال الرحى التي كانت تطحن والقدر الذي يُطبخ من غير حاجة إلى أحد.

كما تبيّن القصّة أيضاً أن الله سبحانه وتعالى يجيب دعاء المضطرّين ، حين ينزل بهم البلاء ، وتحلّ بهم الهموم ، وتضيق عليهم السُبُل ، وتتخاذل عنهم الأسباب إلا سبب السماء ، كما قال تعالى ممتنّاً على عباده : { أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون } ( النمل : 62 ).

وفي القصّة إثباتٌ للكرامات التي يجريها الله تعالى على يد عباده الصالحين ، وتكون مخالفة لما اعتاده الناس من نواميس الكون وسننه ، إكراماً لهم وتأييداً لحالهم ، وقد تواترت نصوص الكتاب والسنّة على إثباتها ، وشهد التاريخ على وقوعها ، وإن حصرها فيمن استقام على شرع الله والتزم حدوده.

وأخيراً : فعلى المؤمن أن يعظم رجاؤه بالله ، وثقته به ، واعتماده عليه ، فالفرج يحصل سريعاً مع الكرب ، والعسر لابد أن يعقبه اليسر ، كما قال الله في كتابه : { فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا } ( الشرح : 5 – 6 ).

[url=http://www.ii1i.com]



(2)


فمن لها يوم السَّبُع
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : " صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الصبح ، ثم أقبل على الناس فقال : ( بينا رجل يسوق بقرة ، إذ ركبها فضربها ، فقالت : إنا لم نخلق لهذا ؛ إنما خلقنا للحرث ) ، فقال الناس : سبحان الله ! ، بقرة تكلم ؟ ، فقال : ( فإني أومن بهذا ، أنا و أبو بكر وعمر ، وما هما ثَمّ .

وبينما رجل في غنمه ، إذ عدا الذئب ، فذهب منها بشاة ، فطَلَبَ حتى كأنه استنقذها منه ، فقال له الذئب : استنقذتها مني ، فمن لها يوم السَّبُع ، يوم لا راعي لها غيري ؟ ) ، فقال الناس : سبحان الله !ذئب يتكلم ؟ ، فقال : ( فإني أومن بهذا ، أنا و أبو بكر وعمر ، وما هما ثَمّ ) " . متفق عليه واللفظ للبخاري

معاني المفردات

بينا رجل : أي بينما رجل


وما هما ثمّ : أي ليسا حاضرين ، والكلام عائد إلى أبي بكر و عمر رضي الله عنهما

عدا الذئب : هجم على الغنم

استنقذها منه : أي خلّصهما من الذئب

يوم السَّبُع : يوم في آخر الزمان ، ينشغل الناس فيه بالفتن عن أمور معاشهم حتى تعدو السباع على الغنم .

تفاصيل القصّة

اعتراض بقرةٍ ، وشماتة ذئبٍ ، أعجوبتان من أعاجيب القصص التي حدثت في العصور السابقة ، والأمم الغابرة ، وبقيت شاهدةً على عظيم قدرة الله التي لا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء.

وليس الغرض من هذه القصص وأمثالها من الغرائب مجرّد المتعة والتسلية ، أو إشباع الرغبة الإنسانيّة في معرفة كل ما هو عجيب ، بل الغرض منها ما تحمله من دروس نافعة ، وعظات قيّمة ، تعمل على ترسيخ العقيدة وتهذيب الأخلاق ، فتحدث بذلك تصحيحاً للتصوّرات وتقويماً في السلوك .

ولأجل هذا الهدف العظيم كان النبي – صلى الله عليه وسلم – ينتهز كل فرصة في تعليم أصحابه وتوجيههم ، خصوصاً عند اجتماعهم أوقات الصلوات ، وكان منها إخبار النبي عليه الصلاة والسلام بهاتين القصّتين بعد صلاة الفجر من أحد الأيّام .

أما القصّة الأولى ، فتتعلّق برجلٍ كان يملك بقرة ، يستفيد من لبنها ، ويستخدمها في الحرث ونحوها من أعمال الزرع .

وبينما هو في حقله قد أضناه التعب وأجهده المسير ، فكّر في استعمال بقرته في غير ما خُلقت له ، فركبها كما يركب الخيل ، وزجرها لتُسرع ، فإذا بالبقرة تلتفت إليه وتكلّمه بلسان فصيح : " إنا لم نخلق لهذا ؛ إنما خلقنا للحرث " .

إنه أمرٌ عجيب ، خارقٌ للمألوف ، إلى حدٍّ جعل الصحابة يهتفون قائلين : " سبحان الله ! ، بقرة تكلم ؟ " ، وما كان قولهم تكذيباً لما أخبر به رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أو إنكاراً له ، حاشاهم أن يصدر منهم ذلك ، ولكنّه كان وليد دهشة أصابتهم ، وحيرة تملّكتهم ، عند سماع الخبر .

ويعقّب النبي – صلى الله عليه وسلم – على ردّ فعلهم بقوله مؤكداً : (فإني أومن بهذا ، أنا وأبو بكروعمر ) ثقة بهما ، لعلمه بصدق إيمانهما ، وقوّة يقينهما ، وكمال معرفتهما بالله جلّ وعلا وقدرته .

ولأنّ الشيء بالشيء يُذكر ، أكمل النبي صلى الله عليه وسلم موعظته بذكر حادثة أخرى ، حاصلها أن ذئباً عدا على غنم أحد الرعاة ، فأمسك بإحداها وساقها أمامه ، لكنّ الراعي استطاع أن يلحق بالذئب ويُنقذ شاته ، فجلس الذئب غير بعيدٍ عن الراعي ثم قال : " استنقذتها مني ، فمن لها يوم السبْع ؟ " ، وهو يوم يأتي في آخر الزمان ، حين تقع الفتن ويكثر البلاء ، فيذهل الناس عن مصالح دنياهم ، وتُترك الأنعام هملاً لا راعي لها ، فتعدو عليها الذئاب والسباع ، وهذا هو المقصود بــ :" يوم لا راعي لها غيري " .

ويتعجّب الصحابة مرّة أخرى لسماعهم كلام الذئب ، فيبيّن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنّه يؤمن بذلك هو وصاحباه ، على الرغم من عدم وجودهما معه في تلك الجلسة ، للسبب ذاته .

وقفات مع القصّة


إذا تجاوزنا الحديث عن القدرة الإلهيّة المشار إليها في الحديث ، فثمّة إشارة تربوية عظيمة يجدرالوقوف عندها والتنبيه عليها، وهي أن البقرة على الرغم من كونها مجرّد حيوان يعيش وفق دوافعه الغريزية ، ويعلم وظيفته في الحياة ، ويدرك أن الله سبحانه وتعالى قد وضع نواميس كونيّة وسنناً إلهيّة لا يجوز العدول عنها أو الانحراف عنها ، فهو بذلك يفضل كثيراً من البشر الذين تعجّ بهم الحياة ، ممّن يجهلون غاية وجودهم ، ولا يلتزمون بالمنهج الربّاني الذي ينظّم سلوكهم وينسّق حركتهم ، حتى إنهم ليصدق عليهم وصف ربنا تبارك وتعالى : { إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا } ( الفرقان : 44 ) .

ووقفة ثانية حول قضية الإيمان بالغيب ، تلك العلامة الفارقة بين المؤمن الذي يؤمن بكل ما أخبر به رسول الله – صلى الله عليه وسلم – سواءٌ شاهد ذلك أم لم يشاهده ، وسواءٌ عقله وفهمه أم فاق ذلك تصوّره وإدراكه ، ما دام الخبر قد صحّ عن الصادق المصدوق ، وبين الكافر الذي يقف من تلك المغيبات موقف الشاكّ والمرتاب ، ومثلهم أصحاب المذاهب المادّية والمدارس العقلية الذين يقدّمون العقل على النصوص الصحيحة الصريحة ، بحجّة أنها لا تتماشى مع عقولهم القاصرة وأفهامهم السقيمة .

كما يُضمّ هذا الحديث إلى جملة الأحاديث التي تبيّن فضل الصحابيّين الجليلين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وعظيم مكانتهما ، فكانا بحقٍّ نعم الرفيقان للنبي – صلى الله عليه وسلم – في حياته وبعد مماته .





(3)


من يكافئ هؤلاء

عن صهيب رضي الله عنه قال : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى همس شيئا لا أفهمه ولا يخبرنا به ، فقال يوما : ( أفطنتم لي ؟ ) ، قلنا : نعم ، قال : ( إني ذكرتُ نبياً من الأنبياء أعطي جنوداً من قومه ، فقال : من يكافئ هؤلاء ؟ أو من يقوم لهؤلاء ؟ - أو كلمة نحو ذلك - ، فأوحي إليه : أن اختر لقومك إحدى ثلاث : أما أن نُسلّط عليهم عدواً من غيرهم ، أو الجوع ، أو الموت ، فاستشار قومه في ذلك ، فقالوا : أنت نبي الله ، فكل ذلك إليك ، خِرْ لنا ، فقام إلى الصلاة - وكانوا إذا فزعوا فزعوا إلى الصلاة - فصلّى ما شاء الله ثم قال : أي رب ، أما عدوٌّ من غيرهم فلا ، أو الجوع فلا ، ولكن الموت : فسلّط عليهم الموت ، فمات منهم سبعون ألفا ، فهمسي الذي ترون أني أقول : اللهم بك أقاتل ، وبك أصاول ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ) " رواه أحمد .

معاني المفردات

أفطنتم لي : أي هل أدركتم ما أفعله ؟

من يكافئ هؤلاء : أي من يساويهم منزلة ، ومن يقدر على قتالهم ؟

خِرْ لنا : اختر لنا

وبك أصاول : أي بك أغلب أعدائي

تفاصيل القصّة


لو رأينا سدّا منيعاً عالي البنيان ، قويّ الأركان ، قادراً على احتواء المقادير الضّخمة من مياه الأمطار والسيول ، ثم دبّ الوهن في ذلك السدّ وظهرت الشقوق في بعض نواحيه ، فأُهمل وغُضّ الطرفُ عنه ، حتى اتسع الصدع وازداد ، ثم جاءت اللحظة التي انهار فيها السدّ على علوّه وشموخه ، لأجل ذلك الخلل في بدايته .

إنه تصويرٌ دقيقٌ لمرض العجب ، ذلك الداء العضال والشهوة الخفيّة ، حين تغفل النفس للحظاتٍ عن التجرّد لله ، ونسبة الفضل إليه ، وتوثيق الصلة به ، والاعتماد التامّ عليه ، مع ما فيه من اغترارٍ بالأسباب المادّية ، واعتزازٍ بها ، والتفاتٍ نحوها ، ما يكون سبباً في هلاك صاحبها وخسرانه .

ولأجل حماية المجتمع الإسلامي من أن يتأثّر بهذه الآفة الخطيرة ، حرص النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يعالج هذه القضيّة بأسلوب قصصيّ بالغ التأثير ، وذلك بعد أحداث يوم حنين ، حينما أوشكت الهزيمة أن تحلّ بالمسلمين .

والقصّة تتعلّق بأمّة سابقة ، تربّت في أفنان العزّة والمنعة حتى رسخت جذورها ، وقويت شوكتها ، وبلغت سمعتها القاصي والداني ، وأصبحت أمّة عظيمة مرهوبة الجانب ، يحسب لها أعداؤها ألف حساب .

وأمام تلك الأبّهة والعظمة ، لم يستطع النبي الذي بُعث في تلك الأمة أن يمنع نفسه من النظر إلى قومه نظرة إعجاب وانبهار ، عبّر عنهما لسانه بقوله : ( من يكافئ هؤلاء ؟ ) ، وهل خُلقت أمّة قادرة على المواجهة والصمود أمام جيوشها وعتادها ؟ .

لحظة إعجابٍ أردفتها العقوبة الإلهيّة العاجلة ، فقد أوحى الله إلى ذلك النبيّ أن يختار واحدة من ثلاث : إما أن تغشاهم أمّة من الأمم المعادية فتتسلّط عليهم وتذلّ أعناقهم ، وإما تحيق بهم المجاعة التي تضعف قواهم وتكسر شوكتهم ، أو ينزل بهم الموت ويقضي عليهم.

ولأنّ القرار مصيريّ يتعلّق بالجميع ، لم ينفرد هذا النبي بالاختيار ، حيث أبلغ قومه بحقيقة الوضع وطلب منهم المشوره ، لكنّهم أوكلوا الأمر إليه ، ثقةً منهم برأيه .

وفزع النبي الكريم إلى الصلاة فهي خير زادٍ في النوائب والملمّات ، فصلّى ما شاء الله له أن يُصلّي ، يلتمس التوفيق من الله جلّ جلاله ، ويرجو الهداية إلى الصواب ، حتى اتضحت له ملامح كلّ خيار ، وما يترتّب عليه من الآثار.

أما تسليط الأعداء عليهم ، فذلّة ومهانة لا يرضاها نبيّ لأمّته ، وأمّا الجوع ، فعذابٌ شديد قد يؤول إلى طمع العدوّ فيهم ، وهذا ما لا يريده ، فبقي الخيار الثالث ، فالموت أمرٌ مكتوب على كلّ إنسان مهما طال به الزمن.

ويحيق الموت بتلك الأمّة ، ليحصد في ليلةٍ واحدة أرواح ما يزيد عن سبعين ألف نفس ، ويترك وراءه يبوتاً تزأر فيها الرياح ، وجثثاً هامدة ، كأن لم تغن بالأمس .

وكلّما مرّت ذكرى هذه القصّة الأليمة في فؤاد رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ، لهج لسانه بالبراءة من كلّ حولٍ وقوّةٍ سوى الله عزّ وجل ، خوفاً على أمته أن يصيبهم ما أصاب من قبلهم : (اللهم بك أقاتل ، وبك أصاول ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ) .

وقفات مع القصّة

ألفاظ الحديث النبوي تنطق بالكثير من الدروس البليغة والحكم العظيمة ، يستوقفنا في مبدئها قول الصحابيّ الجليل صهيب رضي الله عنه : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى همس شيئا لا أفهمه ولا يخبرنا به " ، فهو يدلّ على المراقبة الدائمة التي كان يفعلها الصحابة رضوان الله عليهم لحركاته نبيّهم عليه الصلاة والسلام وسكناته ، ومنطقه وسكوته ، ليقتدوا به ويأتسوا بأفعاله ، ولهذا استحقّ ذلك الجيل المنزلة العالية والتزكية البالغة من الله تعالى : { وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما } ( لفتح : 29 ) .

وإذا كان الصحابة على قدرٍ عالٍ من الشغف بالعلم والنهم للتعلّم ، فإن النبي – صلى الله عليه وسلم – ما كان يكتم عنهم شيئاً يقرّبهم إلى الله ، ويبدعهم عن النار ، ويفيدهم في دينهم ودنياهم .

وتدلّ القصّة على خطر الإعجاب بالنفس ، والركون إلى الأسباب الدنيويّة ، وما خبر يوم حنينٍ عنّا ببعيد ، يوم أُعجب المؤمنون بكثرتهم وعددهم – وكانوا اثني عشر ألفاً – فقالوا : " لن نُغلب اليوم من قلّة " ، ونسوا أن يستحضروا أسباب النصر الحقيقيّة ، فأوكلهم الله إلى أنفسهم ، وكادوا أن يُغلبوا ، لولا نزول السكينة الإلهيّة على المؤمنين في ساحة المعركة ، ولولا أن جاء المدد من الله بالملائكة الكرام ، فكان لهم ذلك أعظم درس .

ومن دلالات القصّة أيضا : أن العقوبة قد تحلّ ، والعذاب قد ينزل ، والهزيمة قد تصيب المؤمنين ، لا لأسبابٍ ظاهرة ، ومعاصٍ واضحة ، ولكن لأسبابٍ خفيّة وعوامل داخليّة لا يُدركها سوى أرباب العقول الراجحة .

ونختم بفائدة أخرى دلّ عليها الحديث : وهو أن من شأن المؤمنين اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى حال الشدائد والكرب ، وحال الحيرة والتردّد ، كي تنجلي عنهم الشدّة ، ويستبين لهم الرأي الرشيد ، والاختيار السديد .





(4)

فهلا نملةٌ واحدة

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة فلدغَتْهُ نملةٌ ، فأمر بجهازه فأُخرج من تحتها ، ثم أمر ببيتها فأُحرق بالنار ، فأوحى الله إليه : فهلا نملةٌ واحدة ؟) متفق عليه .

وفي رواية لمسلم : ( فأوحى الله إليه أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح ؟) .

معاني المفردات:

فأمر بجهازه : الجهاز هو المتاع:

فلدغته : أي قرصته:

فهلا نملة واحدة : فهل اكتفيت بنملة واحدة:

أفي أن قرصتك نملة : أمن أجل نملة واحدة قرصتك:

تفاصيل القصة:

( الإصلاح ) قضيّةٌ تلتقي فيها الديانات السماويّة كلّها ، ومحورٌ تدور حوله مناهجها وشرائعها ، فقد جاءت التوجيهات والنصائح تدعو إلى إعمار الكون وتوجيه الطاقات البشريّة نحو البناء لا الهدم ، والتشييد لا التخريب ، وإن الدعوة إلى المحافظة على صور الحياة وأشكالها ، والمناداة برعايتها والاهتمام بها ، خير شاهد على ذلك.

وعلى العكس ، فإن الفساد والإفساد في الأرض مهما كان نوعه أو بلغ حجمه ، فإنه سلوك مرفوض يبغضه الله تعالى وتأباه الفطر السليمة ، كما جاء تقريره في قوله تعالى : { والله لا يحب الفساد } ( البقرة : 205 ).

وتأسيسا لما تقدّم ، يعرض لنا النبي( صلى الله عليه وسلّم ) في الحديث المتّفق على صحّته ، قصّة نبيّ بُعث في الأمم السابقة ، جاءه العتاب الإلهيّ حينما أهلك قريةً كاملة من النمل!! .

كان هذا في يومٍ سار فيه ذلك النبيّ الكريم في بعض حاجته حتى أضناه المسير ، فنزل تحت شجرةٍ طلباً للراحة وتجديد النشاط ، ثم جعل متاعه على مقربة منه.

ويقدّر الله أن يجلس ذلك النبي فوق قريةٍ من قرى النمل ، فانطلقت إحداها مدفوعةً بغريزتها لتحمي مملكاتها ، فكان أن قرصت النبي قرصةً آلمته.

ويبدو أن تلك القرصة كانت مؤلمة للغاية ، إلى حدٍّ جعلت النبيّ يغضب غضباً شديداً ، فلم يكتف بقتل تلك النملة جزاءً على أذيّتها ، بل أمر بإحراق القرّية كلّها.

ويوحي الله إلى ذلك النبي معاتباً وموبّخا : ألأجل نملةٍ واحدةٍ آذتك في نفسك ، تُهلك أمّة كاملة تسبّح الله في غدوّها وعشيّها ؟.

وقفات مع القصّة: ما أعظم اللمحة التربويّة التي تحملها هذه القصّة ، إنها إشراقةٌ أخلاقيّةٌ ترقى بسلوك المؤمن إلى أعلى مستوى يمكن أن تصل إليه ، وتفجّر بين جنباته معاني الإحساس بالمسؤوليّة واستشعار المراقبة الذاتيّة ؛ ومن تربّى على التحرّز من قتل نملة واحدة بغير حقّ ، لا يمكنه أن يفكّر مجرّد تفكير أن يسفك دماً حراماً ، أو يأكل أموال الناس بالباطل ، أو يعيث في الأرض فساداً وإهلاكاً.

كما أن في الحديث توجيهٌ إلهيٌّ للنبي نحو الأليق بمقام نبوّته والأنسب لمكانته ، بأن يتعامل مع الموقف بروح الصبر والمسامحة ، بدلاُ من الانتقام للنفس وإهلاك جميع النمل بذنب واحدة ، كما ذكر ذلك الإمام القرطبي.

ويبدو من السياق أن التعذيب بالنار كان جائزاً في الأمم السابقة ، فإن العتاب لم يقع في أصل القتل أو الإحراق ، ولكن في الزيادة على النملة الواحدة ، ثم استقرّ الأمر في شريعة الإسلام على حرمة التعذيب بالنار كما قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : ( لا يعذب بالنار إلا رب النار) رواه أحمد ، كما ورد النهي عن قتل النمل بخصوصه في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) نهى عن قتل أربعٍ من الدواب : النملة ، والنحلة ، والهدهد ، والصُرَد – وهو نوعٌ من أنواع الطيور الجارحة - ، رواه أحمد . في حين جاء الأمر بقتل جملة من الحيوانات المؤذية بطبعها لكثرة ضررها وفسادها ، فأمر بقتل الفأرة - وسمّاها فويسقة - ، والعقرب ، والغراب ، والحدأة – نوعٌ من الطيور - ، والكلب العقور ، والوزغ ، وغير ذلك مما جاء في السنّة.

وقضية أخيرة يحملها الحديث : وهي أن الكون بجميع مخلوقاته قد دان بالعبوديّة لله وحده وأسلم له طوعاً واختياراً ، واعترف بقدره وقهره ، وكماله وسلطانه ، أفلا يكون ابن آدم الذي ميّزه الله بالعقل والإدراك ما استدلّ به على وجود خالقه ووحدانيّته ، أولى بالعبودية وأحرى بالتسبيح والتنزيه؟

.




(5)

جرّة الذهب

عن أبي هريرة (رضي الله عنه ) أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : ( اشترى رجل من رجل عقاراً له ، فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرّة فيها ذهب ، فقال له الذي اشترى العقار : خذ ذهبك مني ؛ إنما اشتريت منك الأرض ولم أبتع منك الذهب ، وقال الذي له الأرض : إنما بعتك الأرض وما فيها ، فتحاكما إلى رجل ، فقال الذي تحاكما إليه : ألكما ولد ؟ ، قال أحدهما : لي غلام ، وقال الآخر: لي جارية ، قال: أنكحوا الغلام الجارية ، وأنفقوا على أنفسهما منه ، وتصدقا ) متفق عليه.

معاني المفردات:

أبتع منك الذهب : أي : أشتري منك الذهب

ألكما ولد : أي : ألكل منكما ولد.

عقاراً له : العقار هو المنزل والضيعة.

تفاصيل القصّة:

يصطرع الناس فتات الدنيا ، وتنشب بينهم الخلافات ، ثم ينتهي الأمر إلى الازدحام عند أبواب المحاكم ، والوقوف أمام القضاء ، ليُدلي كلٌ بحجّته ، ويقدّم أدلّته ، مدّعياً أنه صاحب الحق ، وأن خصمه يريد سلبه ونهبه ، وأخذ ما ليس له.

مشهدٌ مألوف وموقف معتاد يتكرّر يوميّاً في دنيا الناس ، لكنّ العجب كلّ العجب أن ينشأ الخلاف ويحتدم النقاش بين رجلين ، حتى تتعالى أصواتهما ، ويترافعا عند القاضي ، ليقول كلّ واحد منهما : " إن خصمي هو صاحب الحقّ ، وإنه يريد أن يعطيني ما ليس لي " فحقّ للعقل حينها أن تعصف به الحيرة وتأخذه الدهشة.

وليس الحديث عن ذلك من نسج الخيال أو إلهام الفكر ، ولكنّه أنموذجٌ فريد وبارقة نجمٍ في سماء الحضارات السابقة ، لرجال تسوّروا العزّ وتبوّؤوا المجد ، حينما صاغهم الدين وربّاهم الأنبياء ، فطهرت سرائرهم ، واستقامت ظواهرهم.

وكانت البداية حينما أراد رجلٌ أن يبيع عقاراً له ، فبحث عن مشترٍ له ، حتى أبدى أحدهم إعجابه بالعقار واستعداده لنقد الثمن ، فتمّ البيع وعُقدت الصفقة.

وانتقل المشتري إلى عقاره الجديد فرحاً به ، فجعل يهيّئه ويعدّه للسكنى ، وبينما كان يقوم بالحفر في أحد نواحي داره إذا بفأسه تصطدم بجرّة ، ولمّا أخرجها وجدها مملوءةً ذهباً ، تثقل اليد عن حملها ، إنها جرّة تُؤذن بوداع حياة الفقر ، وتكفل لصاحبها أن يكون في مصافّ الأغنياء ، ليهنأ بالعيش الرغيد ، والنعمة الواسعة ، والرفاهية المطلقة.

لكنّ نوازع الأمانة ومعاني الورع كانت أعظم في نفسه ، فلم يلتفت إلى بريق الذهب ولمعانه ، بل كان شغله الشاغل أن يُرجع المال لصاحبه ، وهكذا انطلق من لحظته ليدفع له الجرّة قائلا : ( خذ ذهبك مني ؛ إنما اشتريت منك الأرض ولم أبتع منك الذهب! ).

وإذا كانت أمانة هذا الرّجل وقناعته مثار إعجاب ومحطّ استحسان ، فإن العجب يتعاظم من موقف صاحبه الذي أعاد له المال قائلاً : ( إنما بعتك الأرض وما فيها ).

وقام الرجلان يتدافعان الجرّة ، كلٌّ يدّعي أن صاحبه أحقّ بها ، وبعد نقاشٍ دام طويلاً اتفقا على أن يُحكّما بينهما رجلاً ، فوقفا بين يديه ، وعرض الأوّل وجهة نظره ، وعرض الثاني رأيه وقوله.

نظر الحَكَم إليهما مُعجباً بسموّ أخلاقهما وعظيم نبلهما ، ورأى أن هذه النماذج الفريدة جديرةٌ بأن يلتئم شملها تحت مظلّة واحدة ، تربط بينها أواصر النسب ووشائج المصاهرة ، وقد وجد بغيته حينما علم أن للأوّل غلاماً وللثاني جارية لم يتزوّجا بعد ، فأصدر حكمه : ( أنكحوا الغلام الجارية ، وأنفقوا على أنفسهما منه ، وتصدّقا ).

وقفات مع القصّة:

تبقى القصة بكل أبعادها وأحداثها ، وألفاظها ومدلولاتها تشكّل سِفْراً مفتوحاً لكل قاريء ليأخذ منها الدروس ويستلهم منها العبر.

وأوّل ما يلفت النظر ويشدّ الانتباه ، خلق القناعة الذي ظهر في الأوّل ، ومعاني العفّة والتنزّه التي بدت عند الثاني ، ثم الحكم الذي يظهر فيه حسن الفهم وسداد الرأي عند الثالث ، حتى يحار المرء : أيّهم أفضل من الآخر.

كما يظهر في القصّة ما تعود به القناعة على صاحبها من الخير والبركة ، فهي كنزٌ لا يفنى ، وذخيرةٌ لا تنضب ، والنبي ( صلى الله عليه وسلم ) يقول: ( ليس الغنى عن كثرة العَرَض ) أي : متاع الدنيا ( ولكن الغنى غنى النفس ) رواه البخاري ، ويقول أيضاً : ( وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس ) رواه الترمذي.

وفي ألفاظ القصّة دعوة ضمنيّةٌ للناس إلى أداء الأمانات وإرجاع الودائع ، وهي قضيّة تناولها القرآن وأكّد على أهمّيتها في قول الحقّ سبحانه : {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} ( النساء : 58 ).

وآخر ما نختم به دلالة القصّة على إمكانيّة الاحتكام إلى من كان ذا حظّ من العلم والعقل ، ما يعينه على تحقيق العدل وإصابة الحقّ




(6)
بادرني عبدي بنفسه

حدثنا جندب بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح ، فجزع ، فأخذ سكينا فحزّ بها يده ، فما رقأ الدم حتى مات ، قال الله تعالى : بادرني عبدي بنفسه ؛ حرّمت عليه الجنة ) رواه البخاري .

معاني المفردات.

فجزع : أي فلم يصبر عن ألم الجرح.

حزّ بها يده : قطع بها يده.

رقأ الدم : انقطع الدم.

بادرني بنفسه : كناية عن استعجال الموت.

تفاصيل القصّة
: إذا استؤمن رجلٌ على أمانة ، وأُمر بأن يحافظ عليها ، ويتعاهدها بالرّعاية والعناية ، ثم رأيناه يبادر إلى إتلافها وإفسادها ، لكان جديراً بأن يُقال فيه : إنه مضيّعٌ لتلك الأمانة ، ومستوجبٌ للعقوبة ، ومستحقٌّ للوم والتوبيخ ، والذمّ والتقريع.

إذا كان هذا هو الحال في الواقع ، فينبغي أن نعلم أن حياة الإنسان وروحه وديعة إلهيّة ، ومنحة ربّانيّة ، لا يحقّ لصاحبها أن يضيّعها أو يفرّط فيها ، ولا يجوز له مهما كانت الأسباب والدوافع أن يزهقها ويتخلّص منها.

ولحرص النبي – صلى الله عليه وسلم – على معالجة هذه الظاهرة السلوكيّة المنحرفة ، لم يدخر جهداً في التحذير منها ، ولم يترك فرصة في التوعية بخطر الإقدام على مثل هذه التصرّفات الطائشة وغير المسؤولة ، وما الحديث الذي بين يدينا إلا بيان لخطر هذه الجريمة وحرمتها.

ويدور الحديث حول رجلٍ ممن كان قبلنا ، استعجل الموت والخلاص ، عندما وهنت قواه عن تحمّل ألمٍ أصابه.

ولعلّ الرّجل أُصيب في معركة ما ، أو جُرح في أحد أسفاره ، ونحن لا نعلم ذلك على وجه التحديد ، والمهمّ أنّه لم يُطق صبراً على نزف آلامه ، حتى ضعفت نفسه فسوّلت له أن يقطع يده بسكّين ، لينهي حياته.

تصرّفٌ يسير ظنّ فيه راحته من عناءٍ مؤقّت ، ولم يدرِ أنه بداية لسلسلة طويلة من العذاب الحقيقي ، بدءاً بحياة البرزخ ، وما فيها من أهوال وشدائد ، ومروراً بعرصات يوم القيامة ، مكلّلا بذلّ المعصية ، وانتهاء بدار العذاب والقرار ، بعد أن صدر في حقّه الحكم الإلهيّ : ( بادرني عبدي بنفسه ، حرمت عليه الجنة ).

وقفات مع القصّة:

يعدّ الانتحار كبيرة في نظر الشرع ، وجريمة في حقّ النفس ، لكونه تضييعاً للفرصة في اغتنام الحياة ، والاستزادة من الصالحات ، والفوز بالعتق من النار ، لذلك اشتدّ الوعيد الإلهي على من يُقدم على مثل هذا الفعل في آيات كثيرة وأحاديث مشتهرة ، يأتي في مقدّمها قول الله تعالى : { ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما* ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا } ( النساء : 29-30 ) ، وقوله تعالى : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ( البقرة : 195 ) ، كما أنّ حرمة قتل النفس تدخل دخولاً أوّليّاً في النهي المذكور في قوله تعالى : { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } ( الأنعام : 151 ) .

وجاءت السنّة لتبيّن عظم هذه الجريمة ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ( من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجّأ بها في بطنه – أي يطعن بها بطنه - في نار جهنم خالدا مخلّداً فيها أبدا ، ومن شرب سماً فقتل نفسه فهو يتحسّاه – أي يشربه - في نار جهنم خالدا مخلّداً فيها أبداً ، ومن تردّى من جبل فقتل نفسه فهو يتردّى في نار جهنم خالدا مخلّداً فيها أبداً ) رواه مسلم.

ومما يتّصل بفقه هذه الجريمة ، أن لولي الأمر الامتناع عن الصلاة على من قتل نفسه ؛ تحذيراً للناس أن يحذوا حذوه ويقتدوا بفعله ، كما دلّ على ذلك حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أُخبر أن رجلاً قتل نفسه ، فقال : ( إذاً لا أصلي عليه ) رواه الإمام أحمد و أبو داود.

وإذا كان بعض ضعاف النفوس قد يقدمون على هذا الفعل الشنيع هروباً من الواقع ، وما يواجهونه من ضغوطٍ نفسيّة ، وصعوباتٍ اجتماعيّة ، أو غير ذلك من أسباب ، فإنّ المؤمن الحقّ يلجأ إلى ربّه في الشدائد ، ويدعوه في الملمّات ، ويواجه المصاعب بثبات ، ويتوكّل عليه في أمره كلّه ، لأنّه يعلم أنه يلجأ إلى الركن الركين ، والحصن الحصين ، وهو يعلم علم اليقين أنه سبحانه هو الذي : { يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء } ( النمل : 62 ) ، فحاله بين الشكر والصبر ، كما قال – صلى الله عليه وسلم - : ( عجباً لأمر المؤمن ، إن أمره كله خير ، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له ) رواه مسلم.

ومما يجدر التنبيه عليه أن الوعيد الوارد في حقّ قاتل نفسه ، من التخليد في النار ، لا يعني الحكم بكفره ، بل هو مسلم عاصٍ ، وأمره إلى الله تعالى ، إن شاء تجاوز عن سيّء فعله ، وإن شاء عاقبه وعذّبه ، وبيان ذلك في قوله عزّ وجل : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ( النساء : 48 ) ، وقد جاء في السنّة صراحةً ما يدلّ على ذلك ، فقد أخبر الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه أن أحد الصحابة قطع يده فمات ، فرآه الطفيل رضي الله عنه في منامه وهيئته حسنة ، ورآه مغطيا يديه ، فقال له : " ما صنع بك ربك ؟ " فقال : " غفر لي بهجرتي إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم – " ، ودعا له النبي عليه الصلاة والسلام بقوله : ( اللهم وليديه فاغفر ) رواه مسلم.

ومن فقه هذه المسألة أيضاً ، أن نعلم معنى ( الخلود ) المذكور في حقّ المنتحر ، بأن المقصود منه - كما ذكر العلماء - ، طول المكث في جهنّم ، جمعاً بين الحديث وبين النصوص الأخرى التي تشير إلى خروج أصحاب التوحيد ، ممن كان يحمل في قلبه ذرّة من إيمان ، إلا من فعل ذلك على وجه الاستحلال ، فيكون كافراً باستحلاله ، لا بفعله.

وكذا ما ورد في قوله – صلى الله عليه وسلم - : ( حرّمت عليه الجنّة ) ، فإنه خرج مخرج التغليظ والتخويف ، وأن التحريم محصور في الوقت الذي يدخل فيه السابقون في الجنّة ، والذي يُعذّب فيه عصاة الموّحدين في النار ، كما قال الحافظ ابن حجر في "الفتح".




(7)

رجلٌ أضلّ ناقته

عن عبد الله بن مسعود رضي الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (للهُ أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن ، من رجل في أرض دَويّة مهلكة ، معه راحلته ، عليها طعامه وشرابه ، فنام فاستيقظ وقد ذهبت ، فطلبها حتى أدركه العطش ، ثم قال : أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه ، فأنام حتى أموت ، فوضع رأسه على ساعده ليموت ، فاستيقظ وعنده راحلته وعليها زاده وطعامه وشرابه ، فاللهُ أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده) رواه مسلم.

وجاء في رواية أخرى : ( فسعى شرفا فلم ير شيئا ثم سعى شرفا ثانيا فلم ير شيئا ثم سعى شرفا ثالثا فلم ير شيئا فأقبل حتى أتى مكانه الذي قال فيه).

وفي حديث النعمان بن بشير زيادة : ( ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح ) رواه مسلم.

غريب الحديث:

أرض دويّة مهلكة : هي الأرض القفر والفلاة الخالية ، والتي يُخشى الموت فيها.

قال فيه : أي نام القيلولة.

تفاصيل القصة:

مع كثرة الذنوب ، وتوالي الخطايا ، ومع الانسياق نحو الموبقات رغم تكرار الوعود وقطع العهود ، يتنامى سؤال كبير يدور في نفوس العصاة من بني آدم : " أبعد كلّ هذا يغفر الله لي ؟ ، وهل عساني أظفر بالعفو وقبول التوبة ".

وقبل أن تنقطع حبال الأمل من النفوس ، ويخيّم على أرجائها القنوط ، تأتي الإجابة على لسان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) في مثلٍ مضروب ، يفتح للمذنبين أبواب الرجاء ، ويخرجهم من دائرة اليأس.

ويسرد النبي – صلى الله عليه وسلم – المثل الذي تدور أحداثه في صحراء مقفرة ، شديدة القيظ ، لا ماء فيها ولا كلأ ، وفي هذا المشهد يظهر رجلٌ تبدو على قسماته ملامح الإجهاد والتعب ، في سفرٍ طويل لا مؤنس له فيه سوى ما يسمعه من صدى خطواته ، وما يبصره من ظلّ ناقته ، والتي جعل عليها طعامه وشراب.

ولم تزُل الشمس عن كبد السماء حتى كان الإرهاق قد بلغ به أيما مبلغ ، فطاف ببصره يبحث عن شجرة تظلّه ، حتى وجد واحدة على قارعة الطريق ، فاتّجه نحوها وأناخ ناقته ثم استلقى تحتها ، وأغفى قليلاً ليستعيد نشاطه ويستردّ قواه ، إلى حين تنكسر حدّة الشمس وتخفّ حرارة الجوّ.

ولأنّ الرّجل لم يُحكم وثاق ناقته ، انسلّت عنه ومضت في سبيلها ، فلمّا استيقظ من نومه لم يجدها ، ففزع فزعاً شديداً ، وانطلق يجري بين الشعاب وفوق التلال دون جدوى .

ولما استيأس الرّجل وأيقن بالهلاك ، عاد إلى موضعه تحت الشجرة جائعاً عطشاً ، مرهق الجسد قانط النفس ، فنام في مكانه ينتظر الموت.

ولكن يا للعجب ، لقد أيقظه صوت ناقته ، فوجدها فوق رأسه ، ففارقه اليأس ، وحلّ بدلاً منه فرحٌ شديدٌ كاد يفقده صوابه ، إنّه فرح من عادت له الحياة بعد أن أيقن بالموت والهلاك ، حتى أنّه أخطأ من شدّة الفرح فأبدل الألفاظ : ( اللهم أنت عبدي وأنا ربك ).

ثم يخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – من حوله أن فرح الله بتوبة عباده وإقبالهم عليهم أشدّ وأعظم من هذه الفرحة التي طغت على مشاعر الرّجل : ( فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده).

وقفات مع المثل:

إن الغاية من المثل الذي ضربه النبي – صلى الله عليه وسلم – في هذا الحديث هي دعوة المؤمنين إلى المبادرة بالتوبة ، حتى يطهّروا أنفسهم من أرجاس المعاصي والذنوب ، كما قال الحقّ سبحانه وتعالى في محكم التنزيل : { وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } ( النور : 31 ) ، وقال تعالى : { أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم } ( المائدة : 74 ).

وقد بيّن – صلى الله عليه وسلم – أن ربنا عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ، وأن أبواب التوبة مفتوحة ، لا تُغلق إلى قرب قيام الساعة ، وما أكثر الآيات والأحاديث التي جاءت تبيّن ذلك وتفصّله.

وإذا كانت المثل الذي بين أيدينا يعطينا لمحةً عن الرحمة الإلهيّة ، فهو يوقفنا كذلك على صفة من صفاته سبحانه ، وهي المذكورة في قوله عليه الصلاة والسلام : ( فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن ) ، وذلك إثباتُ أن الله تعالى يفرح فرحاً يليق بجلاله وكماله ، ولا يشبه فرح المخلوقين.

كما يشير الحديث إلى أنّ الله سبحانه وتعالى لا يحاسب العبد على الألفاظ والأقوال التي تصدر منه دون قصد ، فالرّجل قال من شدّة الفرح : ( اللهم أنت عبدي وأنا ربك ) فظاهر العبارة كفرٌ ، لكنّ العبرة بما وقر في قلبه وما أراده في نفسه




(7)

بغي تسقي كلبا

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر : ( أن امرأة بغيا رأت كلبا في يوم حار ، يطيف ببئر قد أدلع لسانه من العطش ، فنزعت له بموقها ، فغفُر لها ) رواه مسلم .

وعنه رضي الله عنه أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : ( بينا رجل يمشي ، فاشتد عليه العطش ، فنزل بئراً فشرب منها ، ثم خرج ، فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش ، فقال : لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي ، فملأ خفّه ثم أمسكه بفيه ، ثم رقي فسقى الكلب ، فشكر الله له فغفر له ) قالوا : يا رسول الله ، وإن لنا في البهائم أجرا ؟ ، قال : ( في كل كبدٍ رطبةٍ أجر ) رواه البخاري .

معاني المفردات.

بينا رجل : بينما رجل.

يأكل الثرى من العطش : كناية عن شدّة العطش.

أمسكه بفيه : أمسكه بفمه.

ثم رقي : رقي بمعنى صعد

في كل كبد رطبة أجر : كناية عن الحيوانات ، والمقصود أن في الإحسان إليها أجر.

يطيف ببئر : يدور حوله.

أدلع لسانه : أخرج لسانه.

بموقها : أي حذائها.

تفاصيل القصّة:

مهما أوغلت النفوس البشريّة في بحار الذنوب وظلمات الغيّ ، ومهما أسرف أصحابها على أنفسهم بالمعاصي والموبقات ، فسيظلّ فيها بارقٌ من خير يلوح في جنباتها بين الحين والآخر ، يسوقها سوقاً إلى أعمال برٍّ وألوان عطفٍ وإحسان.

ذلك هو العنوان الرئيسي والقضيّة الكبرى ، والتي ذُكرت في القصّة الأولى من مشكاة النبوّة ، ومعين الرسالة ، في سياقٍ يبيّن سعة عفو الله ورحمته ، حتى تتلاشى أمامها ذنوب المذنبين ، وكبائر المسرفين.

إننا أمام بغيٍّ من بغايا بني إسرائيل ، لم تقع في صغيرة تمحوها الصلاة وأنواع الذكر ، ولم تزلّ قدمها في كبيرة من الكبائر لتقوم بعدها من كبوتها ، ولكنها امتهنت الفاحشة واستسهلت الرذيلة ، حتى صار ذلك لها علماً بين الناس.

وبينما هي تسير لحاجتها في يوم شديد الحرّ ، إذ لاحَ أمامها كلبٌ قد أخرج لسانه من شدّة الإعياء واللّعاب يتقاطر منه ، يقف بالقرب من بئر عميقة ، وينظر إلى قعره ، فيتمنّى لو حظي بشربةٍ تطفئ عطشه ، وتروي ظمأه.

حينها أدركتها الرحمة بهذا المخلوق البائس اليائس ، وفكّرت في نفسها : كيف يمكنها أن تقدّم لهذا الكلب قليلاً من الماء يدفع عنه ما نزل به من عطش ؟ ، فلم تجد أمامها سوى خفّها تملأ به الماء ، فنزلت البئر ، وملئت الخف ماءً ، ثم صعدت إلى أعلى البئر ، وكان الكلب لا يزال ينتظر لاهثاً.

وبالنسبة للمرأة انتهى الموقف عند هذا الحدّ ، ولعلّه لم يستوطن ذاكرتها طويلاً ، لكنّ الله سبحانه وتعالى لن يضيّع أجر من أحسن عملاً ، فكان صنيعها مع الكلب سبباً للتجاوز عن سيّئاتها ومغفرة ذنوبها ، كرماً منه وفضلاً.

أما القصّة الثانية فالصورة واحدة في أحداثها وتفاصيلها ، والفارق الذي نرصده هنا أن صاحب هذه القصّة رجلٌ وليس امرأة ، وأنّ الكلب قد بلغ به العطش مبلغاً جعله يلحس الأرض يبحث عن قطرةٍ تائهة بين ذرّاتها ، وأن الرجل كان يقاسم الكلب شعوره وحاجته ، ما دفعه ليُمسك الخفّ بفمه ويملأه بالماء ، ثم يقدّمه له.

ويُخبرنا الصادق المصدوق ( صلى الله عليه وسلّم ) كيف كان عمل هذا الرّجل موضع قبول وتقدير من الله سبحانه وتعالى : ( فشكر الله له ، فغفر له ) وهذا هو التعقيب الذي يُظهر الإحسان الإلهيّ في أبهى صوره.

وقفات مع القصّة:

حقٌّ علينا أن نحمد ربّاً لا تُحصى آلاؤه عدداً، ولا تنقطع فضائله مدداً ، فقد وسعت رحمته كلّ شيء ، ونراه يعفو ويصفح عن المذنبين – كما حصل للبغيّ - ، ويكافئ ويجازي المحسنين ( كما حدث مع الرّجل ) أضعاف ما فعلوه ، وفوق ما استحقّوه ، فيا له من إلهٍ عظيم رحيم، صدق حين قال سبحانه : { ورحمتي وسعت كل شيء } ( الأعراف : 156 ) ، وقال : { إن الله لا يضيع أجر المحسنين } ( التوبة : 120 ).

ولنتأمّل الجزاء العظيم الذي حظيت به المرأة ، ونقارنه بعظيم جرمها من جهة ، ويسير عملها الصالح من جهة أخرى ، حينها سنُدرك أن بواعث الأعمال في القلوب ترفع قدرها وقيمتها عند الله ، فإن تلك المرأة عندما أقدمت على سقي الكلب وصلت إلى مرتبةٍ عالية من الإخلاص والتجرّد ، ما كان سبباً في العفو عن ذنوبها السابقة ، ويوضّح شيخ الإسلام ابن تيمية ذلك فيقول : " فهذا لما حصل فى قلبها (أي المرأة البغيّ ) من حسن النية والرحمة ".

ولا شكّ أن الحديث بألفاظه ودلالاته دعوةٌ إلى الإحسان إلى الحيوان ، والرّفق به ، فقد جعلها النبي ( صلى الله عليه وسلم )عبادةً مأثورة ، وصدقة مأجورة ، في قوله : ( في كل كبد رطبة أجر) رواه البخاري.





(Cool

اسق حديقة فلان
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( بينا رجل بفلاة من الأرض ، فسمع صوتاً في سحابة : اسق حديقة فلان ، فتنحّى ذلك السحاب ، فأفرغ ماءه في حَرّة ، فإذا شَرجةٌ من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله ، فتتبّع الماء فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته ، فقال له : يا عبد الله ، ما اسمك ؟ ، قال : فلان ، للاسم الذي سمع في السحابة ، فقال له : يا عبد الله ، لم تسألني عن اسمي ؟ ، فقال : إني سمعت صوتاً في السحاب الذي هذا ماؤه ، يقول : اسق حديقة فلان - لاسمك - ، فما تصنع فيها ؟ ، قال : أما إذ قلت هذا ، فإني أنظر إلى ما يخرج منها ، فأتصدق بثلثه ، وآكل أنا وعيالي ثلثاً ، وأرد فيها ثلثه ) رواه مسلم .

معاني المفردات.

بينا رجل : بينما رجل.

بفلاة : الأرض الواسعة أو الصحراء.

في حرة : هي الأرض التي تكثر بها الحجارة السوداء.

شرجة من تلك الشراج : قنوات الماء.

بمسحاته : أداة من أدوات الزراعة وهي المجرفة.

تفاصيل القصّة:

قد بيدو للناظرين إلى ظواهر الأمور أن يد الخير المبذولة إلى الفقراء ، والعطوفة على المساكين ، ما هي إلا صورة من تبديد الثروات ، وتضييع المدّخرات ، وسببٌ في نقص رؤوس الأموال.

تلك هي النظرة بالمقاييس المادّية المحضة ، ولكنّ الشريعة الإلهيّة تقول شيئاً آخر ، فالإنفاق وسيلةٌ لنماء المال ، وحلول البركة فيه ، كحال من يبذر الحبّة في الأرض ، سرعان ما تنمو وتكبر حتى تصبح شجرةً باسقة ، يانعةً مثمرة.

ولا يزال لطف الله بأوليائه وعباده المستبقين إلى الخيرات ، يصرف عنهم البلاء ، ويوسّع عليهم الأرزاق ، ويسوق إليهم الخيرات ، ويحظون بتوفيق الله وبنعمته ، ومن كان في كنف الإله ورعايته فأنّى له أن يضيع ؟ .

وشاهد الصدق على ذلك ، الحديث الذي بين أيدينا ، والذي يُخبر عن مزارع صالح ، برزت فيه صفات الكرم وجوانب السّخاء في وقتٍ عزّت فيه معاني الجود ، ليقهر الطبيعة البشريّة القائمة على الشحِّ والإمساك ويتخطّاها في سموٍّ إيمانيّ رفيع.

كان هذا الرجل يسير في الصحراء ، حيث يندر الماء ويقلّ الزرع ، وبينما هو كذلك إذ سمع صوتاً يقول : " اسق حديقة فلان بن فلان ! " ، فتعجّب الرّجل لما سمعه ، فالأرض خالية من البشرّ ، ثم أدرك أن الصوت صادرٌ من السحابة التي تعلوه ، فازداد عجباً وإصراراً على استكشاف السبب.

وانطلق الرّجل خلف السحابة ليعرف مستقرّها ، حتى وقفت فوق أرض تكثر عليها الحجارة السوداء ، يُقال عنها : " الحرّة " ، ثم نزل المطر بغزارة ، وجرى الماء حتى انتهى إلى حديقة ، وفيها فلاحٌ قائم ، يوزّع الماء ويوجّهه.

اتّجه الرجل إلى الفلاح وسأله عن اسمه ، فكان ذات الاسم الذي سمعه في السحابة ، وكان من الطبيعي أن يستغرب صاحب الحديقة من السؤال فبادره قائلا : " يا عبد الله ، لم تسألني عن اسمي ؟ " ، فقصّ عليه الرّجل ما سمعه ورآه من شأن السحابة ، ثم بيّن له عظيم شوقه لمعرفة سرّ التوفيق الإلهيّ والعناية الرّبانيّة التي حظي بها.

وتأتي الإجابة لتظهر الحقيقة وتكشف الغموض ، فالحال أن صاحب الحديقة كان ينظر إلى حصاد مزرعته فيقسمه ثلاثة أجزاء : جزء يتصدّق به على الفقراء والمساكين ، وآخر يجعله قوتاً له ولعياله ، وثالث يردّه إلى الأرض.

وقفات مع القصّة:

هذا القبس من مشكاة النبوة ، يأتي مبيّناً فضل الصدقة وقدرها عند الله سبحانه وتعالى ، كونها صورة من صور التكافل الإنسانيّ ودليلاً على يقظة الضمير ، والشعور بالواجب ، والإحساس بالمسؤولية نحو الآخرين ، ما يزيد من لُحمة المجتمع وتماسكه.

وإذا كان هذا الرّجل الصالح قد نال من خير تلك السحابة وبركاتها ، فتلك عاجل بشراه في الدنيا ، أما في الآخرة فما أعدّه الله له من ألوان الكرامة أعظم وأعظم.

ومن دلالات القصّة أن الإنفاق على المحتاجين وتفريج كرب المسلمين هي تجارة عظيمة مع الله سبحانه وتعالى لا يخسر صاحبها أبداً ، لتفضّل الكريم سبحانه وتعالى على عباده المنفقين بالبركة والنماء ، والخُلف في المال ، وجعل الإنفاق سبباً من أسباب الرزق ، وشاهد ذلك قوله تعالى : { وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين } ( سبأ : 39 ) ، وقوله في الحديث القدسيّ : ( يا بن آدم أَنفق أُنفق عليك ) متفق عليه.

وفي القصّة أيضاً ، الإشارة إلى قيمة العمل ومكانته عند المسلم ، فالرّجل ما اعتزل الدنيا أو تركها وراء ظهره ، ولكنّه جدّ واجتهد ، وبذل الأسباب ، وسعى وراء الرّزق ، ثم تصدّق بماله ، وهذا هو حال الأمّة العاملة ، تبني وتشيد ، وتجد وتسعى ، حتى تنال مكانتها بين الأمم.




(9)
لأتصدقنّ بصدقة

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( قال رجل : لأتصدقنّ بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون : تُصُدِّق على سارق، فقال : اللهم لك الحمد !، لأتصدقنّ بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يدي زا

القناص2011
مدير عـــــــــــــــــــام
مدير عـــــــــــــــــــام

عدد المساهمات : 15
تاريخ التسجيل : 02/03/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الأحاديث النبويه وأسباب نزلها

مُساهمة من طرف صقر الزنتان في الخميس مارس 03, 2011 12:57 pm




مشكووووووووووووووور يا غالي


avatar
صقر الزنتان
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى

ذكر عدد المساهمات : 61
تاريخ التسجيل : 02/03/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى